المحقق البحراني
115
الكشكول
دخلنا على أبى عبد اللّه عليه السّلام في زمن مروان فقال : من أنتم ؟ قلنا : من أهل الكوفة ، فقال : ما من بلدة من البلدان أكثر محبا لنا من أهل الكوفة ولا سيما هذه العصابة ، إن اللّه تعالى هداكم لأمر جهله الناس وأحببتمونا وأبغضنا الناس واتبعتمونا وخالفنا الناس وصدقتمونا وكذبنا الناس ، فأحياكم اللّه محيانا وأماتكم مماتنا فاشهدوا على أبي أنه كان يقول : ما بين أحدكم وبين أن يرى ما يقر اللّه عينيه وان يغتبط إلا أن تبلغ نفسه هذا واهوى بيده إلى حلقه - الحديث . وروي : أيضا في الكتاب المشار إليه بسنده فيه عن أبي بصير قال : قلت له : جعلت فداك الراد على هذا الأمر فهو كالراد عليكم ؟ فقال : يا أبا محمد من رد عليك هذا الأمر فهو كالراد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعلى اللّه تعالى ، يا أبا محمد إن الميت منكم على هذا الأمر شهيد . قال : قلت : وإن مات على فراشه ؟ فقال : أي واللّه على فراشه حي عند ربه يرزق . وروى البرقي في المحاسن : بإسناده عن زيد بن أرقم عن الحسين بن علي قال : ما شيعتنا إلا صديق شهيد ، قال : جعلت فداك أنى يكون ذلك وعامتهم يموتون على فراشهم ؟ فقال : أما تتلو كتاب اللّه في سورة الحديد وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ قال : فقلت : كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب اللّه عزّ وجلّ قط ، قال : لو كان الشهداء ليس منها تقول كان الشهداء قليلا . قال : بعض الفضلاء أقول : كأن الوجه في ذلك أن المؤمن إنما تقبض روحه على حضور من قلبه وتهيؤ منه للموت كما إن الشهيد متهيّئ للشهادة محضر قلبه للرحيل ، ولذا سمي شهيدا . ووجه آخر هو أن الأعمال إنما هي بالنيات والمؤمن يود دائما أن لو كان مع إمامه الظاهر في دولة الحق مجاهد مع عدوه ويستشهد في سبيل اللّه ، فيعامل معه على حسب نيته ويثاب ثواب الشهيد . ووجه ثالث وهو أن من رضي أمرا فقد دخل فيه ومن سخط أمرا فقد خرج منه ، والمؤمن قد رضي وسلم لإمامه حق الجهاد مع عدوه فكأنه معه . روى : هذا المعنى بعينه البرقي في محاسنه بإسناده عن الحكم بن عتيبة قال : لما قتل أمير المؤمنين عليه السّلام الخوارج يوم النهروان قام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين طوبى لنا إذ شهدنا معك هذا الموقف وقتلنا معك هؤلاء الخوارج ، فقال أمير المؤمنين : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد شهدنا في هذا الموقف أناسا لم يخلق اللّه آباءهم ولا أجدادهم بعد ، فقال الرجل : وكيف شهدنا قوما لم يخلقوا ؟ قال : بل قوم يكونوا في آخر الزمان يشركوننا فيما نحن فيه ويسلمون لنا فأولئك شركاؤنا فيه حقا حقا - انتهى .